لايقترن الابتعاث الى الخارج , دائما , بفقر في مؤسسات التعليم العالي , كما ونوعا , فهاهي الولايات المتحدة الأمريكية تعلن في نهاية العام الماضي عن زيادة ملحوظة في عدد الطلاب الأمريكيين الذين يدرسون خارج بلادهم ,( ثمانية ونصف في المئة مقارنة بالعام الذي سبق) , والغريب أن هذه الزيادة تجاوزات المساحة التقليدية للطلبة الأمريكيين وهي أوروبا الغربية , الى دول لقليلة التداول للغة الانجليزية ( اليابان والصين والدول العربية ) , ويستفيد هؤلاء الطلبة من برامج مساعدات مالية كبيرة كمنحة فولبرايت التي ترعاها الخارجية الأمريكية .
أما في دول الاتحاد الأوروبي , وبسبب القوانين التي تساوي بين مواطني هذه الدول , فان أكقر من مليون طالب ينتشرون على مقاعد الجامعات في غير بلدانهم الأصلية . وذلك حسب الموقع الالكتروني لاتحاد الطلبة الأوروبيين .
فالدراسة في الخارج , وتشجيع الابتعاث , لايرتبطان بمستوى تطور التعليم العالي , فالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي , بلاد متفوقة في العلم والتعليم , ولكن الدافع لهذا الابتعاث المتزايد يهدف الى تبادل الخبرة والتزود بقيم علمية متنوعة واغناء التجربة العلمية في مختلف المجالات .والاطلاع على نجارب جديدة.
سقنا هذه المفدمة , الضرورية , للفت الانتباه الى أن ابتعاث الطلبة , ينبغي أن لاينظر اليه كتسول للعلم من قممه العالمية المعترف بها , وليس ترفا أوسياحة , بل انه ضرورة للتنمية المستدامة , فلاتنمية بدون علم , ولا علم بلا تعلم وتعليم , وتعد تجربة المملكة العربية السعودية في هذا المجال , تجربة رائدة , تستحق الدراسة والاعجاب .
فقد تميزت هذه التجربة , وعبر البرنامج الرائد : برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي , بميزات جديرة بالتقدير , فقد أعطى هذا البرنامج المبارك أولوية للعلوم الاقتصادية وللعلوم اهندسية وللعلوم الطبية , وهو ماينسجم مع النهضة متعددة الجوانب التي تشهدها المملكة ومع الخطط الطموحة التي تضمنتها بنود ميزانية العام الحالي , أضخم ميزانية في تاريخ المملكة , وأعطى البرنامج أيضا أهمية لمرحلتي الماجستير والدكتوراة , بهدف تغذية الهيئات التدريسية في جامعات المملكة بكفاءات جديدة , تحمل الى طلبة العلم أخر ماتوصلت له علوم الطب والهندسة والحاسوب.
يمكننا , عقد مقارنة , في مجال الابتعاث الخارجي , بين دولتين تتقاربان في عدد السكان , وتتباعدان في معظم المقاييس والميزات : المملكة السعودية ورومانيا : رومانيا عضو في الاتحاد الأوروبي يتمتع طلابها بامكانيات حقيقية ضخمة للدراسة في باقي دول الاتحاد الأوروبي , ويستفيدون من عشرات برامج المنح الوطنية والأوروبية والعالمية , ولاتوضع أمام سفرهم عقبات تذكر , فهم يتجولون في دول الاتحاد الأوروبي ببطاقة الهوية , ويحصلون بسهولة على تأشيرات السفر للولايات المتحدة وكندا ومعظم دول العالم , ولايؤثم طلبة الدول الاسلامية ان حسدوا زملائهم الرومان على هذه الحرية في السفر واجتياز الحدود , خاصة بعد أحداث أيلول 2001 والتشدد المبالغ به أحيانا في منح أوراق القبول وسمات الدخول للطلبة المسلمين .
اذا , بكل هذه التسهيلات والأفاق المفتوحة في مجال الابتعاث , بلغ عدد الطلبة الرومان الدارسين في الخارج , نهاية العام الماضي خمسون ألفا , بينما بلغ عدد الطلبة السعودين الدارسين في الخارج , في نفس السنة و أكثر من ثمانين ألفا , بالرغم من التطابق في عدد السكان تقريبا , وبالرغم من مزايا رومانيا كعضو في الاتحاد الأوروبي ....
السر في هذا التفوق , يكمن في النجاح الذي حققه برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي , وطبعا لأليات تنفيذه ومتابعته من قبل وزارة التعليم العالي , بل ان هذا البرنامج حفز بعض شركات القطاع الخاص على المساهمة المباشرة في ابتعاث الطلبة , متوخية , ذات الأهداف النبيلة التي سعى لها البرنامج الطموح. والسر يكمن أيضا في الارادة الصلبة للشباب السعودي , وهي ارادة تنهل روح الثقافة الاسلامية التي تحض على العلم وترفع من مكانة المتعلمين,
وتعتمد أليات الابتعاث في المملكة , مقاييسا صارمة , ليس فقط ازاء الطلبة ومستواهم العلمي , وحاجات سوق العمل ومؤسسات التعليم والتعليم العالي , بل أيضا , ازاء الجامعات التي يتوجهون للدراسة فيها , فهي باستمرار , جامعات رفيعة الاعتماد , وذات مستوى تأهيلي عالمي .الأمر الذي يقدم مخرجات متميزة , ويرفد التنمية المستدامة في المملكة بخبرات جديدة ممتازة التعلم والتدريب , تأخذ دورها في بناء الاقتصاد والمجتمع وفي اعلاء صروح العلم .
أما سلبيات الابتعاث , وهي عادة , ذات طبيعة ثقافية واجتماعية , فيتم التغلب عليها بارشاد الطلبة في ملتقيات خاصة تعد للمبتعثين , وبالمتابعة المستمرة من خلال وزارة التعليم العالي والملحقيات الثقافية , وبتشجيع التوسع في الابتعاث لما بعد مرحلة البكالوريوس , باعتبارأن الطالب في عمر مابعد البكالوريوس , يتمتع بحصانة دينية وثقافية واجتماعية أكثر رسوخا .
وأيا كانت السلبيات , فانها تتضاءل أمام ضخامة الفوائد , وأمام قدرة المجتمع الأصلي على اذابتها بعد العودة الى الوطن واستئناف التفاعل المباشر مع المجتمع ومؤسساته , "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" (17)﴾ [الرعد].
والعلم والمهارات العلمية المكتسبة من الابتعاث هي الباقية انشاء الله , وهي أضخم بكثير من سلبيات زبد يذهب .
من بين (80,929) طالباً وطالبة، يدرسون في دول مختلفة تتميز بتطور وتقدم التعليم العالي فيها، بلغت نسبة المبتعثين (85.7%) من مجمل الدارسين في الخارج، بينما بلغت نسبة الدارسين على حسابهم الخاص (14.3%) فقط , وهذا تأكيد على الدور الحاسم لوزارة التعليم في السعودية في تطوير الابتعاث , وبشكل برنامج خادم الحرمين الشريفين , حجر الأساس في هذا المجال.
ولاشك أن عجلة التنمية في المملكة , ماكان لها أن تدور , بهذه الوتيرة المتسارعة , لولا هذه الأعداد المتزايدة من الخريجين في مختلف مراحل التعليم العالي , وبشكل خاص هؤلاء الذين يثرون المهنة والعلم بخبرات ومهارات متنوعة اكتسبوها في بلاد الابتعاث نشر بتاريخ 14-01-2010 |